عيش حرية كرامة انسانية

نعم هي شعارات نادت بها الثورة وحلم بها الثائرون ولكن لم يدركوا حتى الأن تحقيقها، وستظل في بلدنا كما هي شعارات نضعها على اللافتات ونرسمها على الجدران حتى نحققها، والحقيقة أن تحقيقها يتطلب منا أن نعرف إلي أي شيء تشير إليه هذا الشعارات وإلى أي شيء تحملنا معانيها، وما هي الوسائل التي سنستخدمها كي يكون مجتمعنا رغدا بالعيش .. رحبا بالحرية .. تظله الكرامة الإنسانية.

هي حقا شعارات ولكن الناس في الميادين نطقوا بها كمبادئ لا يجب التخلي عنها لبناء دولة الثورة، وأهداف يجب طرق أبوابها للسير نحو حياة إنسانية .. إنها مبادئ حقوق الإنسان بطعم الثورة .. أو قل إن شئت إنها ثورة حقوق الإنسان.

فـالعيش هو الحياة الكريمة، حياة تبدأ بلقمة خبز سهلة المنال نظيفة زرع قمحها بأرض وادي النيل، العيش هو القوت والزاد لمواطن تبدأ حياته وتنتهي بين حدود هذه الدولة، ولكي نحصل على العيش خاليا من سموم الأعداء والفاسدين يجب أن نملك مصادره كي نتحكم في قرار مراحل وجودة صنعه، ولكي يتحقق لنا ذلك يجب أن تكون هناك دولة تعرف أن من ملك قوْته ملك قوّته، فنداء الثورة بالعيش كمطلب وهدف كان نداء خالصا لأن تكون لنا سلطة تعرف أن مستقبل الدولة وشأنها مرتبط بالحفاظ على قوت شعبها والإكتفاء الذاتي منه، فإن ظللنا على ما نحن فيه متسولين مصادر قوتنا ستظل أقصى أمانينا محصورة في كيفية تدبير رزقنا، لكن الثورة كان ندائها بالعيش لازما لكي تحقق دولة مستقلة غير خاضة للخارج وسلطة حرة في إدارة شئون بلدها دون تدخل أجنبي من صندوق دولي أو من بنك إقراض مما يحقق لنا كرامة دولة الثورة.

والحرية بمفهومها الشامل هو خروج من العبودية بأشكالها وتنويعاتها، وإن كانت قديما متمثلة في شراء وبيع الإنسان وتجارة النخاسة واسترقاق البشر، فهي الأن متمثلة في إذلال الإنسان وتقييده بالقوانين الإستثنائية وإجراءات الطوارئ والمحاكمات العسكرية، فالثورة أعلنت كحرب على الدولة الأمنية العسكرية التي قامت على الإشتباه والقمع وتكميم الأفواه، والتي أودعت سجونها خصومها المعارضين وأفسحت المجال لبلطجيتها عساكرها في إرهاب كل من له حق، لذا فالحرية التي طالبت الثورة بها هي التعبير والإعتقاد، حرية الرفض والإنتقاد للسلطة، حرية التجمع والتظاهر والتنقل، فالثورة جاءت لتخرج الناس من عبودية الأنظمة وسيطرة العسكريين وإرهاب الدولة، إلى حرية نشر الأفكار والمعتقدات وتكوين الأحزاب والجمعيات والنقابات، فالثورة ستحقق هدفها عندما لا يعبد المواطنون سلطانهم وحاكمهم وعندما لا يكون الجالس على كرسي الحكم فرعونا وإلها يمتلك أجساد الناس وأموالهم وأرواحهم.

والكرامة الإنسانية التي طلبت بها الثورة هو أن يحس الإنسان بقيمته كإنسان وكفى، ولا يحتاج لإضافة أخرى كي يحس بقيمته، لا بكونه عالما أو طبيبا أو وزيرا أو رجل أعمال، وأن يحس بوجوده كمواطن يرعى شئونه الدولة وتهتم باستقراره وأمنه وكل أمور حياته، أن لا يكون هناك تمييز في الخدمات الحكومية لأفراد بعينها أو اختصاص لمجموعة أو طائفة بمميزات دونا عن غيرها من باقي المواطنين، أن يجد المواطن إنسانيته حين يستقل وسيلة المواصلات المناسبة وحين يدخل أولاده مدرسة تليق ويطمئن إلى حسن التعليم فيها، وأن يجد احتراما من اصحاب السلطة في إدراتهم للمصالح الحكومية، ألا يعذب أو تمتهن كرامته داخل سجن أو قسم شرطة وأن يعامل حتى وإن كان متهما أو محكوما عليه بما لا يخل بأدميته، وأن يظل دائما هو الأولى بالعناية والرعاية كمحكوم وليس كحاكم.

هذا ما نادت به الثورة أن نحافظ على الإنسان كإنسان وأن تضمن الدولة له العيش والحرية والكرامة الإنسانية وهذه هي الشرعية التي نبني عليها الجماعة الوطنية، شرعية الثورة التي رفعت قيم ومبادئ حقوق الإنسان ودمجت بينها بحيث لا يقبل التنازل عن إياها أو المساومة في أي منها.

ولكي تكون الجماعة الوطنية دائما على المسار الثوري ولا تضل طريقها يجب أن تجعل بوصلتها وقبلتها بين دفتي قيم الثورة بين "العيش والحرية والكرامة الإنسانية" ولا تتنازل أو تتهاون في ضياع فرصة تحقيقها، يجب أن تظل راية الثورة معلق عليها هذا المبادئ مرفوعة في وجه الأنظمة .. يجب أن نعتصم بحبلها كي لا ينفرط عقد تجمعنا، وأن نكون منظمين لنا خطتنا في تحديد أولويات إتجاهاتنا واختيار معاركنا، يجب ألا نترك الفرصة للأنظمة هي التي تفرض علينا زمان ومكان المعركة، يجب أن نكون الفعل الأول، وأن نستلهم في أنفسنا قيمة التنظيم والتوافق في خوض نضال الشارع باجتماعنا على كلمة واحدة وهتاف واحد .. كي تحقق ثورتنا العيش والحرية والكرامة الإنسانية.